فوزي آل سيف

8

من قصة الديانات والرسل

1/ بأن كلمة (الأرض) في الآيات ليست نصا في الكرة الأرضية، فإن المعروف من كلام الأنبياء أن تذكر الأرض ويراد بها أرضهم ووطنهم كقوله تعالى حكاية عن خطاب فرعون لموسى وهارون: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ)[21]يعني أرض مصر، وقوله: (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها)[22] فالمراد بها مكة، وقوله: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)[23]والمراد بها الأرض التي كانت وطنهم، فإنهم لا يستطيعون أن يفسدوا في كل بلاد الأرض، وهكذا قوله: (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) فالحصر فيهم يجوز أن يكون إضافياً أي الباقين دون غيرهم من قومه. 2/ كما قيل أيضًا إن ظواهر الآيات تدل بمعونة القرائن والتقاليد الموروثة عن أهل الكتاب على أنه لم يكن في الأرض كلها في زمن نوح إلا قومه وأنهم هلكوا كلهم بالطوفان ولم يبق بعده فيها غير ذريته، وهذا يقتضي أن يكون الطوفان في البقعة التي كانوا فيها من الأرض سهلها وجبلها لا في الأرض كلها إلا إذا كانت اليابسة منها في ذلك الزمن صغيرة لقرب العهد بالتكوين وبوجود البشر.[24] وبناء على الأول فإن بيئة الطوفان كانت كل الكرة الأرضية المأهولة على الأقل، وأما بناء على الرأي الثاني وهو ليس بالبعيد لما ذُكر آنفا ولكون دعوة نوح ـ وإن كان من أولي العزم ـ إلا أن الروايات لا تتحدث عن محيط أبعد مما يطلق عليه اليوم (الشرق الأوسط وبشكل أخص العراق وربما يشمل بعض أجزاء تركيا الجنوبية، ومركزه كان وسط العراق متجها للجنوب إلى أن يصل إلى مكة المكرمة) وهذا ما تشير إليه الروايات.[25] وإذا كانت الروايات لا تشير إلى دعوة خارج هذه المنطقة، مما يعرف الآن مثلا بالمغرب العربي أو أفريقيا أو أوربا، هذا إذا كان فيها بشر في تلك الفترة، فإنه يقرب أن الطوفان الذي كان بمثابة العقوبة ينبغي أن يكون بمقدار[26]وفي دائرة العاصين، فلا معنى لعمومه لكل الأرض التي لم يكن فيها بشر مثلا أو حتى لو كانوا لم يُدعَوا ولم يصلهم التبليغ الالهي! وقد أشار بعض الكتاب المصريين إلى ملاحظة هي أن التاريخ المصري القديم، بما يشمل الأساطير لا يُلحظ فيه ذكر لموضوع الطوفان ـ باستثناء المصادر اليهودية التي لا تبتعد كثيرا عما ذكرنا آنفا ولا تذكر مصر ـ ولا يوجد في غيرها ما يدلل على حصوله في مصر[27]. وكأن الموقف الديني الرسمي في مصر[28]يتوافق مع ما ذكر من كون الطوفان محدودا ودائرته في العراق.

--> 21 يونس: 78 22 الاسراء: 76 23 الاسراء: 4 24 الطباطبائي، الميزان 10 /264 25 منها: أن التنور الذي فار منه الماء كان قرب مسجد الكوفة: وقد ورد ذلك في روايات مدرسة الخلفاء كما في الدر المنثور للسيوطي 4/ 422 وفي تفاسير الشيعة كالعياشي وغيره بل وفي بعضها كالكافي أن نوحا النبي نجر سفينته في مسجد الكوفة وأن منزل نوح كان غربي الفرات.. وأنه طافت السفينة بالبيت الحرام الذي أعتق من الطوفان والغرق، حتى حطت أخيرا على جبل الجودي، وهو بحسب التحقيقات يعادل مرتفعات هضبة النجف في العراق. 26 أشار إلى ذلك المحقق السيد سامي البدري في بعض كلماته. 27 وفي مقابل هذا ذكر بعض الكتاب بأنه تم رصد مئات القصص والأساطير في تاريخ الشعوب المختلفة والمناطق ما يلحظ تأثره بموضوع الطوفان.. ولم يتسن لي التأكد من هذا ولا من المعلومة التي سبقتها المرتبطة بالتاريخ المصري. 28 دار الافتاء المصرية؛ فتاوى: ٨/‏ ١٥٩في جواب سؤال عن الأرض التي وقع عليها الطوفان، أجابت دار الإفتاء المصرية بلسان المفتي عطية صقر في مايو ١٩٩٧: الأرض التي وقع عليها الطوفان في عهد نوح عليه السلام هي أرض العراق وهناك مكان يزعم الناس أنه المنطقة التي بلعت الماء.